أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

263

التوحيد

مسألة الشفاعة ثم قال بعضهم : لو كانت الكبيرة مما يجوز الشفاعة له لكان من يحلف بفعل شيء يستوجب به الشفاعة يؤمر بارتكاب الكبيرة . قال الفقيه رحمه اللّه : فنقول ذلك وهم ؛ لأنه ليس الذي له يشفع هو الذي به يستوجب الشفاعة ، بل يستوجب بالحسنات التي بها يجب الولاية فيما ترك ، فحق من حلف بذلك ليس أن يقال له : " اعص " ، ولكن يقال له : " أطع " ؛ ليستوجب به الشفاعة فيما عصيت ، وكذلك من يحلف : لأفعلنّ الفعل الذي استوجب به المغفرة ، لا يقال له ارتكب الصغائر ، بل يؤمر باتقاء الكبائر والتوبة عنها ليغفر له ، فمثله أمر الشفاعة . والشفاعة من أعظم ما احتج بها ، وقد جاء القرآن بها والآثار عن رسول اللّه . والشفاعة في المعهود والمتعالم من الأمر تكون عند زلات يستوجب بها المقت والعقوبة ، فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضا . ثم كانت الصغائر مما لا يجوز التعذيب عليها عند القائلين بالخلود في الكبائر ، والكفار مما لا يعفى عنهم بالشفاعة ، فإذا بطل عظيم ما جاء به من القرآن والآثار في الامتنان ، وسقط ما جبل عليه أهل العلم من الرجاء باللّه وبرحمته ، ويبطل دعاء المسلمين بشفاعة الرسل ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال بعضهم : الشفاعة تخرج على وجهين : على ذكر محاسن أحد عند آخر ليقدّر له عنده المنزلة والرتبة ، والثاني أن يدعو له ، فالأول هو الذي يحتمل توجيه الشفاعة إليه ، والثاني قد بيّن فيمن يقوله : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [ غافر : 7 ] ، إلى قوله : وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ غافر : 9 ] ، وقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] ، والحرف يدل على وجهي الشفاعة ؛ لأن المرتضى هو ذو منزلة وقدر ، هو ممن تضمنته آية شفاعة الملائكة . قال الشيخ رحمه اللّه : فنقول وباللّه التوفيق : الوجه في الآخرة لا معنى له لوجهين : أحدهما أنه في تقدير الأمر عند من يجهله ، واللّه جل ثناؤه هو العليم بحقيقة ذلك ، بل غيره مما يجوز عليه خفا الحقائق كقوله يوم يجمع اللّه الرسل فيقول : ما ذا أَجَبْتُمُ [ القصص : 65 ] قالوا لا عِلْمَ لَنا [ البقرة : 32 ] ، وقال عيسى : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ [ المائدة : 117 ] فكان في ذلك عبد اللّه ، وهم قد تبرّوا عن العلم